محمد غازي عرابي
629
التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم
والأرض الهامدة النفس الجزئية أسيرة عالم الحس ، حتى إذا أنزل الحق عليها ماء رحمته من العلوم الإلهية اهتزت وربت وآتت أكلها طيبة من المعقولات التي قلنا إنها للّه ، وإن اللّه يستخدمها في معادلات علمية لها صور تعلم الإنسان ما لم يعلم . وقوله : زَوْجٍ بَهِيجٍ ، يعني المعقولات نفسها ، فاللّه سبحانه هو القائل في موضع آخر : مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ [ هود : 40 ] ، والإنسان نفسه مخلوق من زوجين اثنين كما قال سبحانه : هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْها زَوْجَها [ الأعراف : 189 ] ، فليس في الوجود إلا الزوجان الاثنان وبسبب هذه الازدواجية عانى الإنسان من غربته في عالم العناصر ، وكدح إلى ربه كدحا ليلاقيه ، فالإنسان يصارع الدنيا ظاهرا ونفسه باطنا ، وينتزع قوته من المعقولات المعلومات عن طريق الصراع أيضا ، ولهذا كان ابن آدم متعبا جاهدا ، ولهذا قالت الصوفية : توقع الأكدار ما دمت في هذه الدار ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر ) ، وبشر سبحانه عباده الصالحين برحمة منه ، ورحمته تقريب الإنسان منه ، وما هو عنه ببعيد ، بل هو أقرب إليه من حبل الوريد ، حتى إذا أذن المؤذن لصلاة فجر اليقين انكشف الزوجان عن وجود واحد فقط هو الروح باطنا . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 6 ] ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتى وَأَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) [ الحج : 6 ] كل بني آدم موتى إلا من أحياهم الحق كما أيقظ أهل الكهف من سباتهم في كهف البدن . والأحياء هم الذين عند ربهم يرزقون العلوم الحقيقية ، واللّه هو المحيي وهو المميت ، ولا حياة ولا موت إلا بالعلم والرفع والتقريب ، فالإنسان ميت ما ظل بعيدا عن اللّه ومحجوبا ، وهو حي إذا قرب ولم يعد يحجبه عن اللّه حجاب . [ سورة الحج ( 22 ) : آية 7 ] وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيها وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ ( 7 ) [ الحج : 7 ] القبر بمثابة البدن ، والبدن الكهف ، فالقبر الكهف ، واللّه هو الباعث الرافع المعز ، يحيي من في القبور من عباده الذين اصطفى واصطنع ليشهدهم أين هو ، وكيف يكون بالمعية ، وكيف يكون أقرب إلى الإنسان من قلبه ، بل هو قلبه وزوجاه وروحه ونفسه وقوى حواسه وما يعلم . [ سورة الحج ( 22 ) : الآيات 8 إلى 9 ] وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلا هُدىً وَلا كِتابٍ مُنِيرٍ ( 8 ) ثانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَذابَ الْحَرِيقِ ( 9 ) [ الحج : 8 ، 9 ] قوله : ثانِيَ عِطْفِهِ ، يعني لاوي عنقه ، والعنق تحمل الرأس ، وفي الرأس الدماغ ، وفي